
نفذت منظمة سام للحقوق والحريات بالشراكة مع رابطة أمهات المختطفين، وتحالف ميثاق للعدالة لليمن، ضمن مشروع سبارك المدعوم من معهد "دي تي" (DT Institute)، ندوة حقوقية موسعة بعنوان "مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض: العدالة والحقوق كمدخل لإعادة بناء الثقة وتسوية مستدامة". جاءت هذه الفعالية ضمن أنشطة منتدى سفراء العدالة الانتقالية، وهدفت إلى تسليط الضوء على الأبعاد الحقوقية في مؤتمر الحوار الجنوبي الذي ترعاه المملكة العربية السعودية، باعتباره خطوة حيوية لمعالجة القضية الجنوبية التي عانت طويلاً من التهميش والاستغلال، وشددت الندوة على أن استقرار الجنوب يعد ركيزة أساسية لاستقرار اليمن والمنطقة بأكملها، خاصة في ظل التطورات المتسارعة التي أفرزتها أحداث حضرموت الأخيرة، كما سعى المشاركون إلى طرح رؤية واضحة لترسيخ القانون والعدالة عبر مسار قضائي مستقل يتسم بالنزاهة والشفافية، بعيداً عن مناخات الاستقطاب والضغوط السياسية.
الملف الحقوقي كأرضية مشتركة وتحديات الهوية والتمثيل
أكدت الناشطة الحقوقية مها عوض، رئيسة مؤسسة وجود للأمن الإنساني، أن الملف الحقوقي يجب أن يكون الأرضية المشتركة للحوار وليس مجرد سلاح سياسي، وأشارت إلى أن التجارب السابقة، مثل "اتفاق الرياض" لعام 2019، افتقرت بشكل واضح للبعد الحقوقي، حيث غلب عليها طابع التسوية السياسية بين الأطراف المتصارعة على حساب حقوق الضحايا والمتضررين من النزاعات المسلحة، وانتقدت عوض تحول الحوارات إلى نتاج لمصالح القوى المسيطرة، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج أنظمة تحمي "الأقوياء" وتطبق القانون بانتائية، مستفيدة من قوانين الحصانة التي تمنع المساءلة.
كما أثارت عوض قضية حقوقية شائكة تتعلق بـ "حقوق الهوية"، حيث لاحظت وجود توجه لفرض مسمى "دولة الجنوب العربي" على حساب الهوية التاريخية لـ "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية"، مؤكدة أن هذا التحول السياسي يتطلب نقاشاً حقوقياً عميقاً يراعي تاريخ الأجيال والمظالم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية المرتبطة بالقضية الجنوبية، وحذرت بشدة من استمرار إقصاء الأصوات المدنية، بما في ذلك النساء والشباب والمجتمع المدني، عن طاولات الحوار التي يهيمن عليها حملة السلاح، مؤكدة أن غياب هذه الفئات سيؤدي إلى مخرجات تخدم النفوذ السياسي بدلاً من تحقيق عدالة انتقالية حقيقية.
آليات التعامل مع ملف المخفيين قسراً والمسؤولية الإقليمية
تناولت المحامية عفراء الحريري ملف "المخفيين قسراً" كأحد أهم الملفات الحقوقية الشائكة الممتدة لعقود،. وطرحت رؤية لإنشاء "هيئة وطنية مؤقتة" ومحايدة تتكون من محامين وقضاة وممثلين عن المجتمع المدني وذوي الضحايا، لتتولى مهمة الكشف عن مصير المخفيين وتحديد المسؤولين عن هذه الجرائم،. وأوضحت الحريري أن الرصد والتوثيق الحالي لا يكفي ما لم يقترن بإجراءات محاسبة واضحة، مشيرة إلى أن العقبة الكبرى تكمن في أن الأطراف المتورطة في الانتهاكات منذ عام 2015 لا تزال تشغل مناصب عليا في السلطة والأمن.
وكشفت الحريري عن تواطؤ وتستر سياسي على السجون السرية، مؤكدة أن الأطراف الإقليمية، وتحديداً الإمارات والسعودية، شريكة في هذه المسؤولية لعلمها بوجود تلك السجون، وذلك بناءً على تقارير رُفعت للجان تقصي الحقائق الدولية، وانتقدت الحريري تقارير لجنة التحقيق الوطنية السابقة التي نفت وجود سجون سرية، معتبرة أن معالجة الملف الحقوقي من منظور سياسي يؤدي إلى ضياع الحقوق، وشددت على ضرورة التوجه نحو إجراءات قضائية جنائية فعلية تضمن المساءلة، بعيداً عن صفقات التمالؤ السياسي.
تجربة معالجة ملف المبعدين قسراً كنموذج للعدالة
استعرضت القاضي نورة ضيف الله قعطبي تجربة "اللجنة الرئاسية لمعالجة قضايا المبعدين عن وظائفهم في المحافظات الجنوبية"، واصفة إياها بالرائدة والفريدة رغم تعقيداتها، اللجنة التي شُكلت بالقرار الجمهوري رقم (2) لعام 2013، عملت على معالجة تظلمات آلاف الموظفين المدنيين والعسكريين والأمنيين الذين أُبعدوا بعد حرب 1994 أو بسبب خصخصة الوحدات الاقتصادية، وأفادت القاضية نورة أن اللجنة استقبلت أكثر من 160,000 تظلم وبنت قاعدة بيانات تقنية متطورة تفوق ما تمتلكه مؤسسات الدولة.
وعلى الرغم من نجاح اللجنة في إصدار قرارات بتسوية أوضاع حوالي 62,000 موظف واعتماد الحكومة لمبلغ 4 مليار ريال يمني في عام 2023 لهذه التسويات، إلا أن المسار لا يزال يواجه عوائق بيروقراطية وسياسية تعطل التنفيذ النهائي، وأعربت القاضية عن أسفها لاستبعاد اللجنة من المشاركة في حوار الرياض الحالي، رغم أن ملفها يقع في صلب المظلومية الجنوبية، وأن العديد من المتحاورين أنفسهم لديهم ملفات وتظلمات مسجلة لدى اللجنة.
العدالة الانتقالية كمسار شامل للكرامة والاستقلال
قدم الأستاذ حسن بن عبيد الله رؤية شاملة للعدالة الانتقالية، معتبراً إياها قضية سياسية بامتياز مرتبطة بطبيعة السلطة، وليست مجرد ملف إنساني ثانوي، وأكد أن تجاهل هذا المسار أو معالجته بشكل هامشي أدى إلى إعادة إنتاج الصراعات وتفكيك الثقة بين المكونات، ودعا بن عبيد الله إلى استغلال مؤتمر الرياض لإعادة تعريف العدالة كشرط للاستقرار المستقبلي وكأساس لتعاقد سياسي جديد،
واقترح بن عبيد الله خطوات عملية تشمل إدراج العدالة كبند ملزم في مخرجات المؤتمر، والاعتراف بالانتهاكات وتقديم اعتذار رسمي للضحايا. وشدد على أهمية جبر الضرر بمستوياته المادية والمعنوية والرمزية، وضمان عدم تكرار الانتهاكات عبر إصلاح مؤسسي حقيقي للأجهزة الأمنية والقضائية، كما لفت الانتباه إلى ضرورة احترام هويات المجتمعات المحلية في المهرة وسقطرى وحمايتها من التجريف، مؤكداً أن الحلول يجب أن تنبع من الداخل لضمان قبولها اجتماعياً.
أصوات الضحايا وتحديات الميدان والمواجهة
شهدت الندوة مداخلات من الميدان عكست حجم المأساة؛ حيث أشار أحد المتداخلين إلى جرائم مروعة شملت دفن أسرى أحياء في صحاري حضرموت واستهداف القوات الجنوبية بغارات جوية، متسائلاً عن موقع هذه الجرائم من مسار العدالة الانتقالية، وعبرت أمة السلام الحاج، رئيسة رابطة أمهات المختطفين، عن معاناة الأمهات في عدن اللواتي يعشن حالة من التخبط لعدم معرفة الجهة المسؤولة عن أبنائهن، مطالبة بلجنة مستقلة للبحث والتحقيق بعيداً عن التسييس.
كما أكدت الناشطة أروى أن الحوار الجنوبي الحالي يجب أن يُشرك الضحايا، منتقدة وجود "منتهكين" على طاولة الحوار في الرياض. وأوضحت أن هناك انقساماً في سلطات السجون؛ فبينما تخضع بعضها للنيابة، تظل سجون المعسكرات والأحزمة الأمنية خارج الرقابة القانونية، وختم المحامي عبد الله سعيد من سقطرى بأن نجاح هذه المبادرات يتطلب "جواً سياسياً راعياً" يرسخ المبادئ ويطبقها على الواقع، بدلاً من التقسيمات السياسية الحالية التي تعيق عمل اللجان الميدانية.
التوصيات الاستراتيجية
خلصت الندوة إلى أن العدالة الانتقالية يجب أن تكون شاملة ولا تستثني أحداً، سواء كان في السلطة أو المعارضة، وفي كافة المناطق الجغرافية من اليمن. وأكد المشاركون أن العمل الجماعي والتشبيك بين منظمات المجتمع المدني هو الأداة الفعالة لفرض أجندة الحقوق والعدالة في صلب التسويات السياسية. وخرجت الندوة بتوصيات تدعو إلى تأسيس مسار قضائي مستقل، وحماية الشهود والضحايا، وضمان مشاركة النساء والشباب في صنع القرار، لضمان مخرجات منسجمة مع تطلعات الشارع الجنوبي نحو الكرامة والإنصاف،،،،،. كما تم التأكيد على أن استقرار اليمن والمنطقة يمر حتماً عبر بوابة العدالة وحماية حقوق الإنسان من التوظيف السياسي.