ملف المعتقلين في اليمن .. الوجع الدائم ســــــــام
مرحبا بكم في منظمة
عند كل إنتهاك راصد و حقوقي مُطالب
ملف المعتقلين في اليمن .. الوجع الدائم

  
  
  
    
03/03/2020

توفيق الحميدي- رئيس منظمة سام للحقوق والحريات لموقع هيوميديا

يعد ملف المعتقلين في اليمن من الملفات الموجعة؛ والمرهقة اجتماعيًا وسياسيًا ونفسيًا، والتي تعد أحد أهم إفرازات الحرب المستمرة منذ خمس سنوات.

في هذا المقال أحاول أن أجمع فيها المشترك، وأقدم صورة شبة كاملة وشاملة، يستطيع القارئ أن يكوّن رؤية عامة وشاملة، وحرصت أن تكون النقاط قصيرة لسهولة الفهم: -

١-يعد ملف الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري، والتعذيب الذي قد يُفضي إلى الموت من أهم الملفات التي برزت بعد سقوط العاصمة صنعاء بيد مليشيات الحوثي، بتاريخ 21 سبتمبر 2014م وحظي الملف باهتمام كبير على المستوى الحقوقي، محليًا، ودوليًا، وخطورة هذا الملف أنه يتجاوز بتبعاته الضحية، إلى أسرته، على المستوى النفسي، والمادي، ويتشابك مع عدد من الانتهاكات، مثل احتجاز الحرية، وحق الأطفال، وحق المحاكمة العادلة، والتعذيب والإخفاء، والسجون السرية، والإفلات من العقاب. 

٢- لقد أصبح  هذا الملف بعد ثلاث سنوات ملفًا اجتماعيًا ثقيلًا يهم كل بيت في اليمن ، سواء في المناطق التي تحت سيطرة جماعة الحوثي ، أو  التي تحت سيطرة قوات التحالف العربي- خاصة الإمارات- أو في مناطق الحكومة الشرعية، فجميع هذه الأطراف مشتركة في الانتهاكات التي في  هذا الملف، وإن كان هناك اختلاف من حيث العدد، والبشاعة، ونوع الانتهاك. 

٣-ملف الاعتقالات القسرية والإخفاء والتعذيب يشترك في عدة أمور منها: 

-إن المداهمات والاعتقالات تتم خارج سلطة القضاء، وفي أوقات الليل، وبدون أي احترام لحرمة المسكن، والأسرة، ويثير الرعب والخوف لدى الأطفال، والنساء. 

-يرافق الاعتقال من البيوت أساليب النهب للممتلكات والتحطيم والعبث بأدوات المنازل، والإهانة المتعمدة لساكنيها وإذلالهم  

- إن الاخفاء القسري في الفترة الأولى للاعتقال التعسفي والذي يمتد غالبا لسنوات طويلة غالبا هي أسوأ وأبشع الفترات التي يتعرض لها المعتقلون تعسفيًا لأبشع وأقسى أساليب التعذيب الفضيعة.! 

-كثير من حالات الاعتقالات التعسفية يرافقها الإخفاء في السجون السرية والتعذيب، حيث كشفت أو برزت في عام 2017م من خلال منظمة سام للحقوق والحريات الرائدة في إظهار هذا الملف إلى السطح، من خلال تقرير مايو ٢٠١٧، ثم توالت بعد ذلك التقارير الحقوقية والصحفية.

- ملف المعتقلات غير القانونية والسرية، لا ينحصر في محافظة واحدة، ولا ينفرد بها طرف من الأطراف، بل ملف عام تشترك فيه دولة الإمارات والمملكة العربية السعودية وجماعة الحوثي والحكومة الشرعية وأطراف في المقاومة المقاتلة تخت نزلة الحكومة الشرعية.

وقد أصدرت منظمة سام أربعة تقرير نوعية اولها تقرير مايو ٢٠١٧، ثم تقرير سبتمبر ٢٠١٧ والذي تضمن ١٨٠ معتقلا وسجنا سريا تشرف جماعة الحوثي على ١٥٠ منها وتتوزع البقية بين دولة الامارات في المخا والحكومة الشرعية في نارب وتعز، وتقرير أبريل ٢٠١٨ والذي كشف عن أساليب التعذيب في معتقل بير  أحمد ، وتقرير أغسطس ٢٠١٨ والذي كشف لأول مرة عن معتقل ما يسمي " معتقل الطين " الذي تشريف عليه السعودية في مدينة سيئون محافظة حضرموت؛ حيث كشف عن قصص مروعة وأساليب بشعة من التعذيب، وما زالت حتى اليوم تشكل ظاهرة مقلقة ، حيث كل يوم تنكشف عن سجون جديده في ابين وشوية وغيرها وتكشف معها عن وسائل وأساليب لم يتخيلها بشر .

- رافق ومازال ملف الاعتقالات التعسفية والإخفاء القسري عملية ابتزاز مالي، بل هناك من حول هذا الملف إلى سوق للإثراء والمتاجرة بحجة القبض على أشخاص خطرين، أو إرهابين..!!

كما تسبب بعملية إرهاق كبيرة لأسر المعتقلين الذين يسعون لتوفير مصاريف يومية بسبب سوء التغذية، وتفشي الأمراض في السجون، فاستغلت من قبل إدارة بعض المعتقلات لفتح-متاجر بأسعار سياحية- تبيع للمعتقلين!!

-أوجاع الأطفال لا تقل عن أوجاع الكبار، هذه الاعتقالات أجبرت الكثير من الأطفال والشباب أن يتنازل عن أحلامه كي يعول أسرهم. كما أجبرت كثيرا من الأمهات الكريمات للعمل براتب زهيد، مقابل أن يبقوا على قيد الحياة، وتوفير القليل لعائلها في المعتقل.!

- لخطورة الجرائم التي ترتكب بحق معتقلين وخاصة المخفيين قسرًا، يسعى المنتهكون جاهدين إلى محاولة الإفلات من العقاب من خلال استخدام الأسماء الوهمية والكنى والألقاب التي لا تدل على شخصيتهم، سواء في الشمال أو الجنوب، كما تحرص الجهات المنتهكة إلى أن يكون الأشخاص الذي يقومون بالتعذيب من محافظات أو دول مختلفة حتى لا يتعرف عليهم الضحايا، فمن خلال المتابعة والتحقيق نجد أن الضحايا أو أهاليهم لا يعرفون شخصا واحدا باسمه أو خلفياته، وهذا يغري هؤلاء لاقتراف المزيد من الانتهاكات من حيث الكم والبشاعة.  

-  حاولت وتحاول الجهات المنتهكة لحقوق الإنسان جاهدة على إسكات كافة الأصوات الحقوقية والصحفية التي تسعى للكشف عن هذه الانتهاكات، لذا برزت لافتات مدنية أهلية ذات طابع نسائي في أغلبه لحمل ملف المعتقلين وإيصال صوتهم إعلاميًا وحقوقيًا، ونقل الوجع والألم من خلف الجدران إلى العالم بأكمله، وتعرضن لاستهداف ممنهج في صنعاء وعدن، ونفذت وقفات سلمية وأصدرن تقارير وبيانات، وأهم هذه اللافتات: رابطة أمهات المعتقلين في صنعاء وعدن والحديدة ومأرب، وهيئة الدفاع عن المعتقلين في صنعاء وعدن وحضرموت.

- التعذيب والتعذيب المفضي إلى الموت أو إحداث عاهة جزئية أو كلية بصورتيه- المادية والنفسية- يشمل كل المعتقلين وإن كان ذلك بنسب متفاوتة، وأكثر وحشية وقسوة بحق المخفيين قسرًا ، حيث يلاحظ أن التعذيب يتم بوسائل بدائية تتسم بالقساوة والبشاعة وانعدام الرحمة، كما أن المتابع للتعذيب في اليمن سيجد أن المنتهكين قد عملوا على التهيئة للتعذيب مكانيًا ونفسيًا، ما جعل المتابع يجزم بوجود حالة منظمة وممنهجة صادرة من أعلى مستوى قيادي للمشرفين على تعذيب الضحايا والخصوم، بحجج متعددة جميعها تجعل القائمين على التعذيب على المستوى النفسي والفكري  يشعرون بممارسة قربى دينية أو وطنية في هذا العمل غير الإنساني،  بحيث يصبح التعذيب المفضي إلى الموت إنجازًا دينيًا ووطنيًا وأمرا اعتياديًا خاصة في ظل الإفلات من العقاب.

- حرص المنتهكون إلى اختيار أمكنة ومعتقلات سرية وغير قانونية لإخفاء المعتقلين وممارسة التعذيب كمنازل بعض المسؤولين، أو المساجد، أو المدارس أو القلاع الأثرية أو مخازن أو بدرومات أرضية أو كنتيرات أو سجون تابعة للأمن القومي والسياسي، وكل يوم تتكشف عن نوع جديد من هذه السجون، وهي تمتد في المدن والقرى، وتتسم بعدم الثبات حيث يتم تغييرها من فترة إلى أخرى، بعد إحالة المعتقلين إلى سجن آخر يتم إغلاقه وفتح سجن جديد، تتصف كل هذه الأماكن بالسرية وعدم تأهيلها.

- كثير من المعتقلين ممن يتم الإفراج عنهم يخرجون من السجن الصغير إلى السجن الكبير، حيث يوقعون على أوراق بعدم مغادرة المدن التي اعتقلوا فيها، أو التواصل مع قنوات إعلامية، أو حقوقية، كما هو موثق لدينا، ووصل الأمر إلى التوقيع على إهدار دمه، ودم أسرته في حال المخالفة ، ولذا كثير من المعتقلين يعيشون حالة نفسية صعبة جدًا، تشاركه أسرته وأولاده ذلك، مع وجود حملات تشويه ممنهجة، واتهامات بالعمالة والإرهاب وغير ذلك، ما يجعل الكثير منهم حريصًا على الفرار بطرق آمنة إلى محافظات تكون أكثر أمانًا، أو مغادرة اليمن.

-الإفراج يتم مقابل مبالغ مالية خيالية وبعض الأسر أبلغوا أنهم إذا دفعوا مبلغًا معينًا من المال سوف يفرج عن أقاربهم، ولكنهم عجزوا عن توفير المبالغ التي تعد تعجيزية أحيانًا، وبعض الأسر دفعت مبالغ كبيرة، ولكن ظلت وعودًا عرقوبية، لقد ذهبت الأموال ولم يفرج عن أقاربهم، ومازالوا يعيشون على الأمل.

السياق القانوني 

السياق الطبيعي الإنساني والحقوقي القانوني لهذا الملف يتمحور في:- 

- إن ملف المعتقلين تعسفيًا و المخفيين قسرًا هو ملف سياسي بامتياز ذو بعد إنساني وحقوقي، حيث أن الأسباب والخلفيات  التي أدت إلى الاعتقالات ذات أبعاد سياسية وفكرية، وبالتالي يعد معظم المعتقلين تعسفيًا معتقلين سياسيين بغض النظر عن التهم التي يدعيها الطرف المنتهك للحقوق.

بالتالي يجب أن تحل قضية المعتقلين في هذا الإطار على المستوي الداخلي والاقليمي والدولي، وعلى المجتمع الدولي أن يضغط في هذا الإطار لإيجاد حل عاجل لملف المعتقلين قبل الحديث عن أي حل سياسي.

وعلى الحكومة الشرعية أن تجعل ملف المعتقلين ذات أولوية قصوى في تحركاتها السياسية، وفي أجندات سفاراتها في الخارج، والإعلان صراحة عدم الذهاب إلى أي محادثات سياسية بدون حلحلة هذا الملف وإبداء حسن نية من قبل الأطراف في حله.

- في قضايا التعذيب المفضي إلى الموت يحرص المنتهكون على إخفاء معالم الجريمة، ومحاولة الإفلات من العقاب عن طريق استخراج تقارير طبية أن الضحايا توفوا بسبب حالة طبيعية أو الانتحار أو عدم استخراج تقارير أصلًا، وإلزام وإجبار أهالي الضحايا على دفن الضحية دون عرضه على طبيب لمعاينة حالته، ومنع حقه بالحصول على جنازة تليق به شرعًا وقانونًا، وهذه الحالات رصدت في سجون خاضعة لسيطرة جماعة الحوثي ولدى القوات التي تشرف عليها دولة الإمارات، وأيضا هناك شهادات لأقارب لمعتقلين توفوا في سجون تشرف عليها القوات الشرعية. 

-  بعد أن طال ملف المعتقلين تعسفيًا والمخفيين قسرًا ظهرت مبادرات شعبية، وأيضا تحركات من قبل فصائل بالمقاومة الشعبية لعقد صفقات تبادل للمعتقلين تعسفيًا من المدنيين مع المقاتلين الحوثيين بحثًا عن مخرج إنساني لتخفيف أوجاع المعتقلين وألمهم، بعيدًا عن الجانب الرسمي للحكومة الشرعية التي لم تعط ملف المعتقلين حتى الآن حقه من الاهتمام و الأولوية.

وتشكل هذه المبادرات والصفقات إضافة إلى جهود النشطاء، والمبالغ المالية التي تدفع أهم تطلعات ينتظرها أهالي المعتقلين.

- تحول ملف المعتقلين للإثراء غير المشروع، ووسيلة ابتزاز حقيرة لدى المنتهكين، حيث يسعى القائمون على السجون، أو من لديهم سلطة مقربة من المنتهكين لاستخدام المعتقلين وسيلة لجني المال.

وهذا الإثراء يتم بطريقتين: الأولى حيث يتم تضخيم أهمية معتقل ما، وكتابة تقارير عن خطورته، لكي يحصلون على مبالغ مالية كبيرة من قبل الجهة التي يعمل فيها السجان.

كما يقومون بابتزاز أهالي المعتقلين بإخفائهم فترات طويلة للحصول على مبالغ مالية أقرب إلى الفدية قد تصل إلى عشرة مليون ريال يمني وهناك حالات موثقه بهذا الشأن.

- لوحظ أن نسبة كبيرة من المتهمين في الشمال لدى جماعة الحوثي هم ممن شاركوا في ثورة فبراير، وبحسب الرصد والتوثيق، وجد أن جانبًا من التحقيق صب حول مشاركتهم في فعاليات ومسيرات ثورة فبراير التي أطاحت بنظام علي صالح، وفي الجنوب لوحظ أن نسبة كبيرة من المعتقلين هم ممن شاركوا في القتال ضد جماعة الحوثي في عدن ولحج، ومنهم قيادات كبيرة معروفة دون وجود تفسير منطقي خاصة في الجنوب لهذا التصرف. 

-ارتبط ملف المعتقلين تعسفيًا باستخدام القضاء كوسيلة لإضفاء المشروعية المنعدمة، حيث حولت المحاكمات التي تفتقر لأبسط الشروط اللازمة لمحاكمة عادلة إلى فصل جديد للتشهير والمعاناة للمعتقلين تعسفًا أو المخفيين قسرًا، بحيث يستمر الاعتقال بحجة التحقيق والمحاكمات وبحجة استكمال التقاضي، أو تستخدم للفت الأنظار، ومزيد من أوجاع أهالي المعتقلين، حيث رصد الحكم بإعدام الصحفي: عبدالرقيب الجبيحي خلال جلستين ومازال 36 آخرين ينتظرون الحكم. 

- إن المعتقلين المفرج عنهم أصبحوا في مناطق آمنة، هم أدلة ناطقة عن حالة الانتهاك التي يتعرض له المعتقلون تعسفًا، والمخفيين قسرًا، بل ذاكرتهم تحتفظ تفاصيل مرحلة مهمة وحرجة من تاريخ اليمن، يجب أن تعقد لهم جلسات استماع داخلية وخارجية ويسمع العالم أوجاع المعتقلين من خلال تجاربهم الطافحة بالوجع، وهي تجربة يمكن أن تفتح وعينا للتحولات النفسية والفكرية التي أصابت الإنسان اليمني في هذه المرحلة بالذات وخاصة الفئات التي تمارس هذه الانتهاكات ببشاعة تفوق الخيال.

موقع هيوميديا

 

 

 
غرد معنا